صديق الحسيني القنوجي البخاري

542

فتح البيان في مقاصد القرآن

جزاؤهم عليه من العذاب الأليم لا على قول من قال إنه ابتداء كلام من جهة اللّه سبحانه وتعالى . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ( 23 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) ولما اخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة فقال : وَأُدْخِلَ قراءة الجمهور على البناء للمفعول وقرىء بالبناء على الفاعل أي وأنا أدخل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثم ذكر سبحانه خلودهم في الجنات وعدم انقطاع نعيمهم فقال : خالِدِينَ فِيها ثم ذكر أن ذلك بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بتوفيقه ولطفه وهدايته ، هذا على القراءة الأولى وفيه تعظيم لذلك الأجر ، وأما على الثانية فيكون بإذن ربهم متعلقا بقوله . تَحِيَّتُهُمْ فِيها أي تحية الملائكة في الجنة سَلامٌ بإذن ربهم ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة يونس . ولما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح ، ثم ذكر نعيم المؤمنين وما جازاهم اللّه به من إدخالهم الجنة خالدين فيها وتحية الملائكة لهم ، ذكر تعالى ههنا مثلا للكلمة الطيبة وهي كلمة الإسلام أي لا إله إلا اللّه أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الخير ، وذكر مثلا للكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشر ، فقال مخاطبا لرسوله صلى اللّه عليه وسلم أو لمن يصلح للخطاب : أَ لَمْ تَرَ بعين قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي اختار مثلا وضعه في موضعه اللائق به ، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول كَلِمَةً طَيِّبَةً وهي قول لا إله إلا اللّه عند الجمهور أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة . قاله الزمخشري كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أي طيبة الثمر نعت لكلمة وبه بدأ الزمخشري ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هي قاله ابن عطية . ثم وصف الشجرة بقوله : أَصْلُها ثابِتٌ أي راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي في أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء . ثم وصفها سبحانه بأنها تُؤْتِي أُكُلَها أي ثمرها كُلَّ حِينٍ أي كل وقت والحين في اللغة : الوقت يطلق على القليل والكثير ، واختلفوا في مقداره كما سيأتي بِإِذْنِ